الجمعة , يناير 22 2021
الليثيوم: قصة المعدن

قصة الليثيوم :المعدن الذي تتهافت عليه الدول ويعيد “حمى الذهب” إلي الأذهان

BBC – في عام 1864، اكتشف ينبوع حار على عمق 450 مترا تحت سطح الأرض في منجم “ويل كليفورد” للنحاس على مشارف بلدة ريدروث بمقاطعة كورنوال في إنجلترا.

وأُرسلت قوارير زجاجية مملؤة عن آخرها بالمياه الساخنة للمختبرات. وأثبتت النتائج احتواء المياه على نسبة كبيرة من الليثيوم، كانت أعلى بثمانية أو 10 مرات لكل غالون من نسبة الليثيوم التي اكتشفت في أي من الينابيع الحارة سابقا، إلى حد أن العلماء ظنوا أنها “قد تصبح ذات قيمة تجارية هائلة”.

لكن إنجلترا في القرن التاسع عشر، لم تكن في حاجة إلى هذا المعدن، وظلت المياه الغنية بالليثيوم التي تبلغ درجة حرارتها 122 درجة مئوية غير مستغلة لأكثر من 150 عاما.

لكن في عام 2020، اكتشفت في موقع بالقرب من منجم “ويل كليفورد” في كورنويل، بعض أعلى نسب الليثيوم في الينابيع الحارة في العالم.

وارتفع الطلب على الليثيوم في السنوات الأخيرة بالتوازي مع اتجاه مصانع السيارات لتصنيع المركبات الكهربائية، بعد أن أعلنت دول عديدة، مثل المملكة المتحدة والسويد وهولندا وفرنسا والنرويج وكندا، اعتزامها منع بيع السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلي. وأشار تقرير للبنك الدولي إلى ضرورة مضاعفة إنتاج الليثيوم بنحو خمس مرات لتحقيق أهداف القضاء على الانبعاثات العالمية بحلول 2050.

وقد أصبحت الاستخدامات التجارية لليثيوم في القرن الحادي والعشرين أوضح من أي وقت مضى، فلا يستخدم الليثيوم في تصنيع بطاريات الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة فحسب، بل إن عملية التحول إلى الطاقة النظيفة قد تصبح مستحيلة من دون الليثيوم، الذي يستخدم في تصنيع البطاريات التي تشغل السيارات الكهربائية وتختزن الطاقة الكهربائية المتولدة من مصادر متجددة.

لكن إنتاج الليثيوم يواجه بعض العراقيل، منها أن الطرق التقليدية لاستخراج الليثيوم مكلفة بيئيا، إذ يُستخرج الليثيوم في الوقت الحالي من مناجم تحت الأرض، كما هو الحال في أستراليا، أو من خزانات مياه مالحة جوفية تحت طبقات البحيرات الجافة، كما هو الحال في تشيلي والأرجنتين.

وقد أشار تحليل أعده خبراء من شركة “مينفيرو” للاستشارات البيئية، إلى أن طرق التنقيب عن الليثيوم في الصخور الصلبة (باستخراج المعدن من الحفر المفتوحة وتعريضه للحرارة باستخدام الوقود الأحفوري) تدمر مساحات كبيرة من الأراضي، وتستهلك كميات هائلة من المياه وتطلق 15 طنا من ثاني أكسيد الكربون لكل طن من الليثيوم.

ويستهلك استخراج الليثيوم من الخزانات الجوفية، كميات أكبر من المياه في مناطق أكثرها شحيحة المياه، ويؤثر على المجتمعات الأصلية التي تعيش في هذه المناطق.

وعلى النقيض، فإن استخراج الليثيوم من المياه الجوفية في محطات الطاقة الحرارية الأرضية- كما هو الحال في كورنوال وألمانيا والولايات المتحدة- أقل إهدارا للموارد الطبيعية، ويطلق كميات طفيفة من انبعاثات الكربون.

تستخرج كميات كبيرة من الليثيوم في الوقت الراهن من خزانات المياه المالحة الجوفية في أمريكا الجنوبية، لكن هذه الطريقة كثيفة الاستهلاك للمياه

فالمياه في محطات الطاقة الحرارية الأرضية هي عبارة عن مياه مالحة ومركزة وتمر عبر الصخور الحارة لتصبح غنية بالعناصر مثل الليثيوم والبورون والبوتاسيوم.

وتحتوي المياه المالحة في مناجم كورنوال على تركيزات من الليثيوم تصل إلى 260 ملليغرام لكل لتر، وتتدفق بمعدل يتراوح بين 40 و60 لترا في الثانية.

ويرى أليكس كيينز، مدير المركبات النظيفة بمؤسسة “النقل والبيئة” التي لا تهدف للربح في بروكسل، أن الطلب على الليثيوم الذي يستخرج بطرق أقل إيذاء للبيئة، يبدو أنه تزايد في الآونة الأخيرة. فشركات مثل “مرسيدس بنز” و”فولكسفاغن”، أصبحت أكثر اهتماما بالعواقب البيئية والاجتماعية لسلسلة توريد سياراتها الكهربائية. وقد يكون استخدام الليثيوم المعاد تدويره من البطاريات والإلكترونيات أفضل من التنقيب عن الليثيوم.

ويقول كيينز: “سنحتاج لاستخراج كميات أكبر من الليثيوم لتلبية الطلب الذي من المرجح أن يشهد ارتفاعا هائلا في السنوات المقبلة. وتعد المياه المالحة في محطات الطاقة الحرارية الأرضية مصدرا واعدا لاستخراج الليثيوم”.

ولعل اكتشاف الليثيوم عام 1864 قد أوشك أن يؤتي ثماره، إذ تدرس شركة “كورنيش ليثيوم” خططا لاستخراج كميات ضخمة من الليثيوم من المياه المالحة في المناجم الشهيرة بالقرب من ريدروث.

وسيتستخرج الليثيوم من موقعين رئيسيين أحدهما في محطة للطاقة الحرارية الأرضية، بالتعاون مع شركة “جيوثيرمال إنجنيرنغ للطاقة”، التي تهدف لتوليد الكهرباء والحرارة من نفس المياه الساخنة التي تحتوي على الليثيوم على عمق 5.2 كيلومترا تحت الأرض.

وتحتوي المياه في هذا الموقع على نسب أقل من مركبات الصوديوم والمغنسيوم التي تجعل عادة عمليات استخراج الليثوم أكثر صعوبة وكلفة.

وحصل المشروع على دعم من الحكومة البريطانية بقيمة أربعة ملايين جنيه إسترليني لبناء محطة استخراج الليثيوم التجريبية في العامين المقبلين.

تستخدم بطاريات الليثيوم أيون في أغراض عديدة، أهمها تشغيل الأجهزة الإلكترونية واختزان الكهرباء المتولدة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية

أما الموقع الثاني لاستخراج الليثيوم، فهو على عمق كيلومتر واحد بالقرب من محطة الطاقة الحرارية الأرضية. وتبحث الشركة أيضا في إمكانية استخراج الليثيوم من صخور الغرانيت في منطقة الصلصال الصيني “الكاولين” في كورنويل.

وتقول لوسي كرين، كبيرة علماء الجيولوجيا بشركة “كورنيش ليثيوم”، إن التطورات التكنولوجية في مجال البحث عن المعادن واستخراجها، هيأت الفرص لاستخراج الليثيوم من الينابيع الحارة.

ويستعين الفريق الذي تترأسه كرين بسجلات البيانات للبحث عن المصادر المحتملة لليثيوم في المنطقة. وتقول كرين: “يمتد إرث التنقيب في كورنويل إلى 4,500 عام، ولهذا توجد وفرة في المعلومات عن طبقات الأرض”. ويجمع الفريق صورا للخرائط القديمة المرسومة بخط اليد مع الحديثة المستمدة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة.

وتقول كرين: “إن هذه الطريقة في جمع البيانات تساعد في تحديد الموقع المناسب قبل الحفر”. وترى أن هذه الطريقة أوفر كلفة وتقلل التبعات البيئية لعمليات التنقيب.

ويعتزم الفريق استخدام تقنية جديدة تسمى “عملية استخراج الليثيوم المباشرة”، التي طورتها شركات أمريكية وألمانية ونيوزيلندية. وهناك نماذج عديدة من هذه التقنية، لكن أبزرها يتضمن استخدام تقنيات الترشيح النانوي أو راتنجات التبادل الأيوني، التي تقوم بدور مرشحات كيميائية لعزل كلوريد الليثيوم عن سائر الأملاح في المياه المالحة. ثم يُجمع كلوريد الليثيوم من المصفاة عن طريق غسل كريات الراتنج بالماء النقي وحقن المياه المتبقية في الأرض عبر الحُفر. ثم يُنقى كلوريد الليثيوم ويركّز لإنتاج هيدروكسيد الليثيوم الذي تصنع منه البطاريات.

وفي الولايات المتحدة، يجري ويليام سترينغفيلو، مدير برنامج أبحاث الهندسة البيئية بمختبر “لورنس بيركلي” الوطني، أبحاثا عن طرق مختلفة لاستخراج الليثيوم من المياه المالحة، منها استخراج الليثيوم عن طريق مذيبات مصممة لجمع أيونات الليثيوم، أو استخدام أغشية لا تسمح إلا بمرور أيونات الليثيوم، أو استخدام الفصل الكهروكيميائي، بحيث تجتذب الأقطاب الكهربائية المشحونة أيونات الليثيوم.

ويقول سترينغفيلو، إن التحدي الذي تواجهه كل واحدة من هذه الطرق هي فصل الليثيوم عن المياه. فهناك الكثير من المواد الأخرى في المياه المالحة التي قد تتداخل مع الليثيوم، مثل الصوديوم والمغنسيوم، ولهذا ينبغي أن تتدخل بنفسك وتفصلها عن الليثيوم.

محطات توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتطلب حلولا واسعة النطاق لتخزين الكهرباء

وأصبحت الولايات المتحدة وألمانيا من أهم مراكز أبحاث استخراج الليثيوم من المياه الجوفية بمحطات الطاقة الحرارية الأرضية. وتلقب المنطقة المجاورة لبحيرة “سالتون سي” في قلب كاليفورنيا، التي تعد ثاني أكبر حقل للطاقة الحرارية الأرضية في الولايات المتحدة بـ “وادي الليثيوم”. وتشير تقديرات لجنة الطاقة بكاليفورنيا إلى أن هذا الحقل قد يلبي 40 في المئة من الطلب العالمي على الليثيوم.

وتوقعت اللجنة أن تنتج المنطقة ما يتجاوز 600 ألف طن سنويا من كربونات الليثيوم، قد يصل سعر الطن إلى نحو 12 ألف دولار، وستحقق أرباحا قدرها 7.2 مليار دولار سنويا. وتُبذل محاولات لخفض الكلفة البيئية لعمليات استخراج الليثيوم ويؤمل أن تسهم عمليات استخراج الليثيوم في زيادة إنتاج الكهرباء من محطات الطاقة الحرارية الأرضية، التي تسهم في الوقت الراهن بنحو ستة في المئة فقط من احتياجات كاليفورنيا من الكهرباء.

ويقول سترينغفيلو: “إن التهافت على الليثيوم في الوقت الراهن يعيد إلى الأذهان حمى الذهب بحثا عن الثراء. إذ يعلق الناس آمالا عريضة على الليثيوم لتحقيق ازدهار اقتصادي”.

أما في ألمانيا، حيث يعد وادي الراين مركزا لقطاع استخراج الليثيوم من محطات الطاقة الحرارية الأرضية، فتعتزم شركة “فولكان” لاستخراج الليثيوم وتوليد الكهرباء من الطاقة الحرارية الأرضية، ضخ المياه المالحة الحارة العميقة من محطات الطاقة الحرارية الأرضية إلى السطح والاستفادة من الحرارة في توليد الكهرباء لاستخدامها في عمليات استخراج الليثيوم.

وأعلنت الشركة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أنها لديها احتياطي ضخم من الليثيوم، بتركيز 181 ملليغرام لكل لتر. ويقول فرانسيس فيدين، المدير التنفيذي للشركة: “لدينا من الليثيوم ما يكفي لتلبية الطلب المتزايد عليه في الأسواق الأوروبية لسنوات عديدة قادمة”.

ويقع وادي الراين في قلب منطقة تصنيع السيارات في ألمانيا، ومن ثم سيكون لمحطات استخراج الليثيوم في المنطقة الأفضلية في توريد الليثيوم لمصانع السيارات الكهربائية، مما سيساهم في تخفيض انبعاثات الكربون الناتجة عن استيراد الليثيوم من الخارج.

وتهدف شركة “كورنيش ليثيوم” في كورنويل لخفض انبعاثات الكربون من عمليات استخراج الليثيوم، التي من المتوقع أن تعتمد على الحرارة الأرضية، إلى الصفر.

وتقول كرين: “إن جميع التقنيات النظيفة التي نحتاجها لمكافحة تغير المناخ، سواء كانت توربينات الرياح أو محطات الطاقة الشمسية، أو حتى البطاريات، تستهلك كميات ضخمة من المعادن. ولتحقيق الهدف من وراء بنائها، يجب أن نستخرج هذه المعادن بطرق مسؤولة”.

ربما لا يزال أمامنا بضع سنوات حتى تستخدم البطاريات المصنوعة من الليثيوم المستخرج بطرق صديقة للبيئة، في السيارات أو غيرها من الأجهزة. لكنها في حالة نجاحها، ستصبح مثالا على إمكانية استخراج معدن، تعتمد عليه محطات توليد الكهرباء من مصادر متجددة، بطرق لا تؤذي البيئة.

شاهد أيضاً

توربينات الرياح الوحشية تقلب الصناعة

توربينات الرياح البحرية العملاقة

تدور توربينات الرياح فوق شريط من الأرض عند مصب ميناء روتردام ، حيث يصعب تصويرها. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك بنشرتنا الدورية

ليصلك أهم الأخبار والأحداث والمؤتمرات بصوره دوريه

You have Successfully Subscribed!